سورة الفرقان - تفسير السعدي (2022)

هذا بيان لعظمتهالكاملة, وتفرده بالوحدانية من كل وجه, وكثرة خيراته وإحسانه, فقال: "تَبَارَكَ " أي: تعاظم, وكملت أوصافه, وكثرت خيراته, الذي من أعظم خيراتهونعمه, أن " نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ " الفارق بين الحلال والحرام,والهدى والضلال, وأهل السعادة من أهل الشقاوة.
" عَلَى عَبْدِهِ " محمد صلى الله عليه وسلم الذي كمل مراتب العبودية,وفاق جميع المرسلين.
" لِيَكُونَ " ذلك الإنزال للفرقان على عبده " لِلْعَالَمِينَنَذِيرًا " .
ينذرهم بأس الله ونقمه, ويبين لهم, مواقع رضا الله من سخطه.
حتى إن من قبل نذارته, وعمل بها, كان من الناجين في الدنيا والآخرة, الذين حصلتلهم السعادة الأبدية, والملك السرمدي.
فهل فوق هذه النعمة, وهذا الفضل والإحسان, شيء؟ فتبارك الذي هذا بعض إحسانهوبركاته.

"الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أى: له التصرف فيهما وحده, وجميع من فيهما, مماليك وعبيد له, مذعنونلعظمته, خاضعون لربوبيته, فقراء إلى رحمته, الذي " لَمْيَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ " .
وكيف يكون له ولد, أو شريك, وهو المالك, وغيره مملوك, وهو القاهر, وغيره مقهور,وهو الغني بذاته, من جميع الوجوه, والمخلوقون, مفتقرون إليه, فقراء من جميعالوجوه؟!! وكيف يكون له شريك في الملك, ونواصي العباد كلهم بيديه, فلا يتحركون أويسكنون, ولا يتصرفون, إلا بإذنه, فتعالى الله عن ذلك, علوا كبيرا.
فلم يقدره حق قدره, من قال فيه ذلك, ولهذا قال: " وَخَلَقَكُلَّ شَيْءٍ " شمل العالم العلوي, والعالم السفلي, من حيواناته,ونباتاته, وجماداته.
" فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا " أي: أعطى كل مخلوقمنها, ما يليق به, ويناسبه من الخلق, وما تقتضيه حكمته من ذلك, بحيث صار كل مخلوق,لا يتصور العقل الصحيح, أن يكون بخلاف شكله, وصورته المشاهدة.
بل كل جزء وعضو من المخلوق الواحد, لا يناسبه غير محله, الذي هو فيه.
قال تعالى: " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِيخَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى " .
وقال تعالى: " رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍخَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى " .

ولما بين كماله وعظمته, وكثرة إحسانه, كان ذلك مقتضيا لأن يكون وحده,المحبوب المألوه, المعظم, المفرد بالإخلاص وحده, لا شريك له - ناسب أن يذكر بطلانعبادة ما سواه فقال: " وَاتَّخِذُوا " إلى قوله " وَلَا نُشُورًا " .
أي: من أعجب العجائب, وأول الدليل على سفههم, ونقص عقولهم.
بل أدل على ظلمهم, وجراءتهم على ربهم, أن اتخذوا آلهة بهذه الصفة وبلغ من عجزها,أنها لا تقدر على خلق شيء, بل هم مخلوقون, بل بعضهم مما عملته أيديهم.
" وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا" أي: لا قليلا ولا كثيرا, لأنه نكرة في سياق النفي فتعم.
" وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا" أي: بعثا بعد الموت.
فأعظم أحكام العقل, بطلان إلهيتها, وفسادها, وفساد عقل من اتخذها آلهة, وشركاءللخالق لسائر المخلوقات, من غير مشاركة له, في ذلك الذي بيده النفع والضر, والعطاءوالمنع, الذي يحيي ويميت, ويبعث من في القبور, ويجمعهم يوم النشور.
وقد جعل لهم دارين, دار الشقاء, والخزي, والنكال, لمن اتخذ معه آلهة أخرى.
ودار الفوز والسعادة, والنعيم المقيم, لمن اتخذه وحده, معبودا.

ولما قرر بالدليل القاطع الواضح, صحةالتوحيد وبطلان ضده, قرر صحة الرسالة, وبطلان قول من عارضها واعترضها فقال: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا " إلى "إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " .
أي: وقال الكافرون بالله, الذي أوجب لهم كفرهم, أن قالوا في القرآن والرسول: إنهذا القرآن كذب, كذبه محمد, وإفك, افتراه على الله, وأعانه على ذلك قوم آخرون.
فرد الله عليهم ذلك, بأن هذا مكابرة منهم, وإقدام على الظلم والزور, الذي لا يمكن,أن يدخل عقل أحد, وهم أشد الناس معرفة بحالة الرسول صلى الله عليه وسلم, وكمالصدقه, وأمانته, وبره التام, وأنه لا يمكنه, لا هو, ولا سائر الخلق, أن يأتوا بهذاالقرآن, الذي هو أجل الكلام وأعلاه, وأنه لم يجتمع بأحد يعينه, على ذلك, فقد جاءوابهذا القول ظلما وزورا.

ومن جملة أقاويلهم فيه, أن قالوا: هذا الذيجاء به محمد " أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا " أي:هذا قصص الأولين وأساطيرهم, التي تتلقاها الأفواه, وينقلها كل أحد, استنسخها محمد " فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا " وهذاالقول منهم, فيه عدة عظائم: منها: رميهم الرسول, الذي هو أبر الناس وأصدقهم,بالكذب, والجرأة العظيمة.
ومنها: إخبار عن هذا القرآن, الذي هو أصدق الكلام وأعظمه, وأجله, بأنه كذبوافتراء.
ومنها: أن في ضمن ذلك, أنهم قادرون أن يأتوا بمثله, وأن يضاهي المخلوق الناقص منكل وجه, للخالق الكامل من كل وجه, بصفة من صفاته, وهي الكلام.
ومنها: أن الرسول, قد علمت حاله, وهم أشد الناس علما بها, أنه لا يكتب, ولا يجتمعبمن يكتب له, وقد زعموا ذلك.

فلذلك رد عليهم ذلك بقوله " قُلْ أَنْزَلَهُالَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: أنزلهمن أحاط علمه بما في السماوات, وما في الأرض, من الغيب والشهادة, والجهر والسر,لقوله: " وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَبِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ " .
ووجه إقامة الحجة عليهم, أن الذي أنزله, هو المحيط علمه بكل شيء فيستحيل ويمتنع,أن يقول مخلوق, ويتقول عليه, هذا القرآن, ويقول: هو من عند الله, وما هو من عنده,ويستحل دماء من خالفه, وأموالهم, ويزعم أن الله قال له ذلك.
والله يعلم كل شيء, ومع ذلك فهو يؤيده وينصره على أعدائه, ويمكنه من رقابهموبلادهم, فلا يمكن أحدا أن ينكر هذا القرآن, إلا بعد إنكار علم الله.
وهذا لا تقول به طائفة من بني آدم, سوى الفلاسفة الدهرية.
وأيضا, فإن ذكر علمه تعالى العام, ينبههم,: ويحضهم على تدبر القرآن, وأنهم لوتدبروا, لرأوا فيه, من علمه وأحكامه, ما يدل دلالة قاطعة, على أنه لا يكون إلا منعالم الغيب والشهادة.
ومع إنكارهم للتوحيد والرسالة من لطف الله بهم, أنه لم يدعهم وظلمهم, بل دعاهم إلىالتوبة والإنابة إليه, ووعدهم بالمغفرة والرحمة, إن هم تابوا, ورجعوا فقال: " إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا " أي: وصفه المغفرة, لأهلالجرائم والذنوب, إذا فعلوا أسباب المغفرة, وهي: الرجوع عن معاصيه, والتوبة منها.
" رَحِيمًا " بهم, حيث لم يعاجلهم بالعقوبة, وقدفعلوا مقتضاها.
وحيث قبل توبتهم بعد المعاصي, وحيث محا, ما سلف من سيئاتهم, وحيث قبل حسناتهم,وحيث أعاد الراجع إليه بعد شروده, والمقبل عليه بعد إعراضه, إلى حالة المطيعينالمنيبين إليه.

هذا من مقالة المكذبين للرسول, الذين قدحوا في رسالته.
وهو: أنهم اعترضوا بأنه, هلا كان ملكا أو ملكا, أو يساعده ملك, فقالوا: " مَالِ هَذَا الرَّسُولِ " أي: ما لهذا الذي ادعىالرسالة؟ تهكما منهم واستهزاء.
" يَأْكُلُ الطَّعَامَ " وهذا من خصائص البشر,فهلا كان ملكا, لا يأكل الطعام, ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر.
" وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ " البيع والشراء,وهذا - بزعهم - لا يليق بمن يكون رسولا.
مع أن الله قال: " وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَالْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِيالْأَسْوَاقِ " .
" لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ " أي: هلاأنزل معه ملك يساعده ويعاونه.
" فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا " وبزعمهم أنه غيركاف للرسالة, ولا بطوقه وقدرته القيام بها.

" أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ " أي: مال مجموع من غير تعب.
" أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا " فيستغنيبذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق.
" وَقَالَ الظَّالِمُونَ " حملهم على القول,ظلمهم لا اشتباه منهم.
" إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا " هذا,وقد علموا كمال عقله, وحسن حديثه, وسلامته من جميع المطاعن.
ولما كانت هذه الأقوال منهم, عجيبة جدا, قال تعالى:

"انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ " وهي: هل كان ملكا, وزالت عنه خصائص البشر؟ أو معه ملك, لأنه غير قادرعلى ما قال, أو أنزل عليه كنز, أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق, أو أنهكان مسحورا.
" فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا " قالوا:أقوالا متناقضة, كلها جهل, وضلال, وسفه, ليس في شيء منها هداية, بل ولا في شيءمنها أدنى شبهة, تقدح في الرسالة.
فبمجرد النظر إليها وتصورها, يجزم العاقل ببطلانها, ويكفيه عن ردها.
ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها, وتدبرها, والنظر: هل توجب التوقف عن الجزم للرسولبالرسالة والصدق؟ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيه خيرا كثيرا في الدنيا فقال:

"تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ " أي: خيرا مما قالوا.
ثم فسره بقوله: " جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُوَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا " مرتفعة مزخرفة.
فقدرته ومشيئته, لا تقصر عن ذلك, ولكنه تعالى - لما كانت الدنيا عنده في غايةالبعد والحقارة - أعطى منها أولياءه ورسله, ما اقتضته حكمته منها.
واقتراح أعدائهم بأنهم, هلا رزقوا منها رزقا كثيرا جدا, ظلم وجراءة.

ولما كانت تلك الأقوال, التي قالوها, معلومةالفساد, وأخبر تعالى أنها لم تصدر منهم لطلب الحق, ولا لاتباع البرهان, وإنما صدرتمنهم تعنتا وظلما, وتكذيبا بالحق, قالوا ما في قلوبهم من ذلك, ولهذا قال: " بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ " .
والمكذب المتعنت, الذي ليس له قصد في اتباع الحق, لا سبيل إلى هدايته, ولا حيلة فيمجادلته وإنما له حيلة واحدة, وهي نزول العذاب به, فلهذا قال: "وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا " أي: ناراعظيمة, قد اشتد سعيرها, وتغيظت على أهلها, واشتد زفيرها.

" إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ " أي: قبل وصولهم, ووصولها إليهم " سَمِعُوا لَهَاتَغَيُّظًا " عليهم " وَزَفِيرًا " تقلقمنهم الأفئدة, وتتصدع القلوب, ويكاد الواحد منهم, يموت خوفا منها, وذعرا, قد غضبتعليهم, لغضب خالقها, وقد زاد لهبها, لزيادة كفرهم وشرهم.

" وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ" أي: وقت عذابهم, وهم في وسطها, جمع في مكانبين ضيق المكان, وتزاحم السكان وتقرينهم بالسلاسل والأغلال.
فإذا وصلوا لذلك المكان النحس, وحبسوا في أشر حبس " دَعَوْاهُنَالِكَ ثُبُورًا " دعوا على أنفسهم بالثبور, والخزي والفضيحة,وعلموا أنهم ظالمون معتدون, قد عدل فيهم الخالق, حيث أنزلهم بأعمالهم هذا المنزل,وليس ذلك الدعاء والاستغاثة بنافعة لهم, ولا مغنية من عذاب الله.

بل يقال لهم: " لَاتَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا " أي:لو زاد ما قلتم أضعاف أضعافه, ما أفادكم إلا الهم, والغم, والحزن.

لما بين جزاء الظالمين, ناسب أن يذكر جزاء المتقين فقال: " قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ " إلى "وَعْدًا مَسْئُولًا " .
أي: قل لهم - مبينا لسفاهة رأيهم, واختيارهم الضار على النافع - "أَذَلِكَ " الذي وضعت لكم من العذاب " خَيْرٌأَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ " التي زادهاتقوى الله, فمن قام بالتقوى, فالله قد وعده إياها.
" كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً " على تقواهم " وَمَصِيرًا " موئلا يرجعون إليها, ويستقرون فيها,ويخلدون دائما أبدا.

"لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ " أي ما يطلبونوتتعلق به أمانيهم ومشيئتهم, من المطاعم, والمشارب اللذيذة, والملابس الفاخرة,والنساء الجميلات, والقصور العاليات, والجنات, والحدائق المرجحنة والفواكه, التيتسر ناظريها وآكليها, من حسنها, وتنوعها, وكثرة أصنافها, والأنهار التي تجري فيرياض الجنة, وبساتينها, حيث شاءوا يصرفونها, ويفجرونها أنهارا من ماء غير آسن,وأنهارا من لبن لم يتغير طعمه, وأنهارا من خمر لذة للشاربين وأنهارا من عسل مصفى,وروائح طيبة, ومساكن مزخرفة, وأصوات شجية, تأخذ من حسنها, بالقلوب, ومزاورةالإخوان, والتمتع بلقاء الأحباب.
وأعلى من ذلك كله, التمتع بالنظر إلى وجه الرب الرحيم, وسماع كلامه, والحظوةبقربه, والسعادة برضاه, والأمن من سخطه, واستمرار هذا النعيم ودوامه, وزيادته علىممر الأوقات, وتعاقب الآنات " كَانَ " دخولهاوالوصول إليها " عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا " يسألهإياها, عباده المتقون بلسان حالهم, ولسان مقالهم.
فأي الدارين المذكورتين, خير وأولى بالإيثار؟ وأي العاملين, عمال دار الشقاء, أوعمال دار السعادة, أولى بالفضل والعقل, والفخر, يا أولي الألباب؟ لقد وضح الحق,واستنار السبيل, فلم يبق للمفرط عذر, في تركه الدليل.
فنرجوك يا من قضيت على أقوام بالشقاء, وأقوام بالسعادة, أن تجعلنا ممن كتبت لهمالحسنى وزيادة.
ونستعيذ بك اللهم, من حالة الأشقياء, ونسألك المعافاة منها.

يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة, وتبريهم منهم,وبطلان سعيهم فقال: " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ " أي:المكذبين المشركين " وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِفَيَقُولُ " الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم: " أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواالسَّبِيلَ " هل أمرتموهم بعبادتكم, وزينتم لهم ذلك, أم ذلك من تلقاءأنفسهم؟

"قَالُوا سُبْحَانَكَ " نزهوا الله عن شركالمشركين به, وبرأوا أنفسهم من ذلك.
" مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا " أي: لا يليق بنا,ولا يحسن منا, أن نتخذ من دونك منه أولياء, نتولاهم, ونعبدهم, وندعوهم.
فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك, ومتبرين من عبادة غيرك, فكيف نأمر أحدابعبادتنا؟ هذا لا يكون.
أو, سبحانك " أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ" وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِاتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَايَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْعَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِاعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ " الآية.
وقال تعالى: " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُلِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَأَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْبِهِمْ مُؤْمِنُونَ " , " وَإِذَا حُشِرَالنَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ " .
فلما نزهوا أنفسهم, أن يدعوا لعبادة غير الله, أو يكونوا أضلوهم, ذكروا السببالموجب لإضلال المشركين فقالوا: " وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْوَآبَاءَهُمْ " في لذات الدنيا وشهواتها, ومطالبها النفسية.
" حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ " اشتغالا في لذاتالدنيا, وانكبابا على شهواتها, فحافظوا على دنياهم, وضيعوا دينهم "وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا " أي: بائرين لا خير فيهم, ولا يصلحونلصالح, لا يصلحون إلا للهلاك والبوار.
فذكروا المانع من اتباعهم الهدى, وهو التمتع في الدنيا, الذي صرفهم عن الهدى.
وعدم المقتضي للهدى, وهو: أنهم لا خير فيهم.
فإذا عدموا المقتضي, ووجد المانع, فلا تشاء من شر وهلاك, إلا وجدته فيهم.
فلما تبرأوا منهم, قال الله توبيخا وتقريعا للمعاندين:

"فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ " إنهمأمروكم بعبادتهم, ورضوا فعلكم وأنهم شفعاء لكم عند ربكم.
كذبوكم في ذلك الزعم, وصاروا من أكبر أعدائكم, فحق عليكم العذاب.
" فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا " للعذاب عنكم بفعلكم,أو بفداء, أو غير ذلك.
" وَلَا نَصْرًا " لعجزكم, وعدم ناصركم.
هذا حكم الضالين المقلدين الجاهلين, كما رأيت, أسوأ حكم, وشر مصير.
وأما المعاند منهم, الذي عرف الحق وصدف عنه, فقال في حقه: "وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ " بترك الحق ظلما وعنادا "نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا " لا يقادر قدره, ولا يبلغ أمره.

ثم قال تعالى جوابا لقول المكذبين: " مَالِ هَذَاالرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ " .
فما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام, وما جعلناهم ملائكة, فلك فيهم أسوة.
وأما الغنى والفقر, فهو فتنة, وحكمة من الله تعالى, كما قال: "وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً " الرسول فتنة للمرسلإليهم, واختبار للمطيعين من العاصين, والرسل فتناهم بدعوة الخلق, والغنى فتنةللفقير, والفقر فتنة للغني.
وهكذا سالر أصناف الخلق في هذه الدار, دار الفتن والابلاء والاختبار.
والقصد من تلك الفتنة " أَتَصْبِرُونَ " فتقومونبما هو وظيفتكم اللازمة الراتبة, فيثيبكم مولاكم, أم لا تصبرون فتستحقون المعاقبة؟" وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا " يرى ويعلم أحوالكمويصطفي من يعلمه يصلح لرسالته, ويختصه بتفضيله, ويعلم أعمالكم فيجازيكم عليها, إنخيرا فخير, وإن شرا فشر.

أي: قال المكذبون للرسول, المكذبون بوعد الله ووعيده, الذين ليس فيقلوبهم خوف الوعيد, ولا رجاء لقاء الخالق.
" لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىرَبَّنَا " أي: هلا نزلت الملائكة, تشهد لك بالرسالة, وتؤيدك عليها,أو تنزل رسلا مستقلين, أو نرى ربنا, فيكلمنا, ويقول: هذا رسولي فاتبعوه؟ وهذامعارضة للرسول, بما ليس بمعارض, بل بالتكبر والعلو والعتو.
" لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ " حيثاقترحوا هذا الاقتراح, وتجرأوا هذه الجرأة.
فمن أنتم يا فقراء, ويا مساكين, حتى تطلبوا رؤية الله, وتزعموا أن الرسالة, متوقفثبوتها على ذلك؟ وأي كبر أعظم من هذا؟.
" وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا " أي: قسوا وصلبواعن الحق, قساوة عظيمة.
فقلوبهم أشد من الأحجار, وأصلب من الحديد, لا تلين للحق, ولا تصغى للناصحين.
فلذلك لم ينجع فيهم وعظ ولا تذكير, ولا اتبعوا الحق, حين جاءهم النذير.
بل قابلوا أصدق الخلق وأنصحهم, وآيات الله البينات, بالإعراض والتكذيب.
فأي عتو أكبر من هذا العتو؟!! ولذلك, بطلت أعمالهم, واضمحلت, وخسروا أشد الخسران.

" يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍلِلْمُجْرِمِينَ " وذلك أنهم لا يرونها, معاستمرارهم, على جرمهم وعنادهم, إلا لعقوبتهم, وحلول البأس بهم.
فأول ذلك عند الموت, إذا تنزلت عليهم الملائكة, قال الله تعالى: "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُبَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَالْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْعَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ " .
ثم في القبر, حيث يأتيهم منكر ونكير, فيسألانهم, عن ربهم, ونبيهم, ودينهم, فلايجيبون جوابا ينجيهم, فيحلون بهم النقمة, وتزول عنهم بهم الرحمة.
ثم يوم القيامة, حين تسوقهم الملائكة إلى النار, ثم يسلمونهم لخزنة جهنم, الذينيتولون عذابهم, ويباشرون عقابهم.
فهذا الذي اقترحوه, وهذا الذي طلبوه, إن استمروا على إجرامهم لا بد أن يروهويلقوه.
وحينئذ يتعوذون من الملائكة, ويفرون, ولكن لا مفر لهم.
" وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا " " يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ".

"وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ " أي: أعمالهم التي رجوا أن تكون خيرا لهم, وتعبوا فيها.
" فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا " أي: باطلامضمحلا, قد خسروه, وحرموا أجره, وعوقبوا عليه, وذلك لفقده الإيمان, وصدوره عن مكذبلله ورسله.
فالعمل الذي يقبله الله, هو ما صدر من المؤمن المخلص, المصدق للرسل, المتبع لهمفيه.

أي: في ذلك اليوم الهائل, كثير البلابل "أَصْحَابُ الْجَنَّةِ " الذين آمنوا بالله, وعملوا صالحا, واتقوا ربهم" خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا " من أهل النار " وَأَحْسَنُ مَقِيلًا " أي: مستقرهم في الجنة, وراحتهمالتي هي القيلولة, هو المستقر النافع, والراحة التامة, لاشتمال ذلك, على تمامالنعيم, الذي لا يشوبه كدر.
بخلاف أصحاب النار, فإن جهنم مستقرهم " سَاءَتْ مُسْتَقَرًّاوَمُقَامًا " وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل, فيما ليس في الطرفالآخر منه شيء, لأنه لا خير في مقيل أهل النار ومستقرهم, كقوله "آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ " .

يخبر تعالى عن عظمة يوم القيامة, وما فيه من الشدة والكروب, ومزعجاتالقلوب فقال: " وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ" وذلك الغمام الذي ينزل الله فيه, من فوق السماوات, فتنفطر لهالسماوات, وتشقق, وتنزل الملائكة كل سماء, فيقفون صفا صفا, إما صفا واحدا محيطابالخلائق, وإما كل سماء, يكونون صفا, ثم السماء التي تليها صفا وهكذا.
القصد أن الملائكه - على كثرتهم وقوتهم - ينزلون محيطين بالخلق, مدعنين لأمر ربهم,لا يتكلم منهم أحد, إلا بإذن من الله.
فما ظنك بالآدمي الضعيف, خصوصا, الذي بارز مالكه بالعظائم, وأقدم على مساخطه, ثمقدم عليه بذنوب وخطايا, لم يتب منها, فيحكم فيه الملك الخلاق, بالحكم الذي لايجور, ولا يظلم مثقال ذرة, ولهذا قال: " وَكَانَ يَوْمًاعَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا " لصعوبته الشديدة, وتعسر أموره عليه.
بخلاف المؤمن, فإنه يسير عليه, خفيف الحمل.
" يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًاوَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا "

وقوله " الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ " أي:يوم القيامة " الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ " لا يبقىلأحد من المخلوقين, ملك ولا صورة ملك, كما كانوا في الدنيا.
بل قد تساوت الملوك ورعاياهم, والأحرار, والعبيد, والأشراف وغيرهم.
ومما يرتاح له القلب, وتطمئن به النفس, وينشرح له الصدر, أنه أضاف الملك في يومالقيامة, لاسمه " الرحمن " الذي وسعت رحمته كلشيء, وعمت كل حي, وملأت الكائنات, وعمرت بها الدنيا والآخرة, وتم بها كل ناقص,وزال بها كل نقص.
وغلبت الأسماء الدالة عليه, الأسماء الدالة على الغضب, وسبقت رحمته غضبه وغلبته,فلها السبق والغلبة.
وخلق هذا الآدمي الضعيف, وشرفه, وكرمه, ليتم عليه نعمته, وليتغمده برحمته.
وقد حضروا في موقف الذل, والخضوع, والاستكانة بين يديه, ينتظرون ما يحكم فيهم, ومايجري عليهم, وهو أرحم بهم من أنفسهم, ووالديهم, فما ظنك بما يعاملهم به.
ولا يهلك على الله, إلا هالك, ولا يخرج من رحمته, إلا من غلبت عليه الشقاوة, وحقتعليه كلمة العذاب.

"وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ " بشركه وكفره,وتكذيبه للرسل " عَلَى يَدَيْهِ " تأسفا, وتحسرا,وحزنا, وأسفا.
" يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا" أي طريقا بالإيمان به, وتصديقه واتباعه.

" يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا " وهو الشيطان الإنسي, أو الجني.
" خَلِيلًا " أي, حبيبا مصافيا, عاديت أنصح الناسلي, وأبرهم بي, وأرفقهم بي.
وواليت أعدى عدو لي, الذي لم تفدني ولايته, إلا الشقاء والخسار والخزي, والبوار.

"لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي " حيث زين له, ما هو عليه من الضلال, بخدعه وتسويله.
" وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا " يزينله الباطل, ويقبح له الحق, ويعده الأماني, ثم يتخلى عنه, ويتبرأ منه, كما قاللجميع أتباعه, حين قضي الأمر, وفرغ الله من حساب الخلق "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَالْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْسُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُواأَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّيكَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ " الآية.
فلينظر العبد لنفسه وقت الإمكان, وليتدارك الممكن قبل أن لا يمكن.
وليوال من ولايته, فيها سعادته, وليعاد من تنفعه عداوته, وتضره صداقته.
والله الموفق.

" وَقَالَ الرَّسُولُ " مناديالربه, وشاكيا له إعراض قومه عما جاء به, ومتأسفا على ذلك منهم: "يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي " الذي أرسلتني لهدايتهم وتبليغهم.
" اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا " أيقد أعرضوا عنه, وهجروه, وتركوه, مع أن الواجب عليهم, الانقياد لحكمه, والإقبال علىأحكامه, والمشي خلفه.
قال الله مسليا لرسوله, ومخبرا, أن هؤلاء الخلق, لهم سلف, صنعوا.
كصنيعهم, فقال:

" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَالْمُجْرِمِينَ " أي من الذين لا يصلحونللخير, ولا يزكون عليه, يعارضونهم, ويردون عليهم, ويجادلونهم بالباطل.
من بعض فوائد ذلك, أن يعلو الحق على الباطل, وأن يتبين الحق, ويتضح اتضاحا عظيمالأن معارضة الباطل للحق, مما تزيده وضوحا وبيانا, وكمال استدلال, وأن نتبين مايفعل الله بأهل الحق من الكرامة, وبأهل الباطل من العقوبة.
فلا تحزن عليهم, ولا تذهب نفسك عليهم حسرات.
" وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا " يهديك, فيحصل لكالمطلوب, ومصالح دينك ودنياك.
" وَنَصِيرًا " ينصرك على أعدائك, ويدفع عنك كلمكروه, في أمر الدين والدنيا, فاكتف به, وتوكل عليه.

هذا من جملة مقترحات الكفار, الذي توحيه إليهم أنفسهم فقالوا: " لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً " وأيمحذور من نزوله على هذا الوجه؟, بل نزوله على هذا الوجه أكمل وأحسن.
ولهذا قال: " كَذَلِكَ " أنزلناه متفرقا " لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ " لأنه كلما نزل عليه شيءمن القرآن, ازداد طمأنينة وثباتا, وخصوصا عند ورود أسباب القلق, فإن نزول القرآنعند حدوث السبب, يكون له موقع عظيم, وتثبيت كثير, أبلغ مما لو كان نازلا قبل ذلك,ثم تذكره عند حلول سببه.
" وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا " أي مهلناه,ودرجناك فيه تدريجا.
وهذا كله يدل على اعتناء الله بكتابه القرآن, وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم,حيث جعل إنزال كتابه, جاريا على أحوال الرسول ومصالحه الدينية.

ولهذا قال: " وَلَايَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ " يعارضون به الحق, ويدفعون به رسالتك.
" إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا " أي:انزلنا عليك قرآنا جامعا للحق في معانيه, والوضوح, والبيان التام في ألفاظه.
فمعانيه كلها, حق وصدق, لا يشوبها باطل ولا شبهة, بوجه من الوجوه.
وألفاظه وحدوده للأشياء, أوضح ألفاظا, وأحسن تفسيرا, مبين للمعاني بيانا كاملا.
وفي هذه الآية, دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم, من محدث, ومعلم, وواعظ, أنيقتدي بربه, في تدبيره, حال رسوله.
كذلك العالم, يدبر أمر الخلق, وكلما حدث موجب, أو حصل موسم, أتى بما يناسب ذلك, منالآيات القرآنية, والأحاديث النبوية, والمواعظ الموافقة لذلك.
وفيه رد على المتكلفين, من الجهمية ونحوهم, ممن يرى أن كثيرا من نصوص القرآنمحمولة على غير ظاهرها, ولها معان غير ما يفهم منها.
فإذا - على قولهم - لا يكون القرآن أحسن تفسيرا من غيره.
وإنما التفسير الأحسن - على زعمهم - تفسير الذي حرفوا له المعاني تحريفا.

يخبر تعالى, عن حال المشركين الذين كذبوا رسوله, وسوء مآلهم وأنهم " يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ " في أشنع مرأى, وأفظعمنظر, تسحبهم ملائكة العذاب, ويجرونهم " إِلَى جَهَنَّمَ" الجامعة لكل عذاب وعقوبة.
" أُولَئِكَ " الذين بهذه الحال "شَرٌّ مَكَانًا " ممن آمن بالله وصدق رسله.
" وَأَضَلُّ سَبِيلًا " وهذا من باب استعمال أفضلالتفضيل, فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء, فإن المؤمنين, حسن مكانهم, ومستقرهم,واهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم, وفي الآخرة إلى الوصول, إلى جنات النعيم.

أشار تعالى إلى هذه القصص, وقد بسطها في آيات أخر, ليحذر المخاطبين, مناستمرارهم على تكذيب رسولهم, فيصيبهم ما أصاب هؤلاء الأمم, الذين كانوا قريبامنهم, ويعرفون قصصهم, بما استفاض واشتهر عنهم.
ومنهم من يرون آثارهم, عيانا, كقوم صالح في الحجر, وكالقرية التي أمطرت مطر السوء,بحجارة من سجيل, يمرون عليهم, مصبحين, وبالليل في أسفارهم.
فإن أولئك الأمم, ليسوا شرا منهم, ورسلهم, ليسوا خيرا من رسول هؤلاء.
" أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْبَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ " .
ولكن الذي منع هؤلاء من الإيمان - مع ما شاهدوا من الآيات - أنهم كانوا لا يرجونبعثا ولا نشورا.
فلا يرجون لقاء ربهم, ولا يخشون نكاله, فلذلك استمروا على عنادهم.
وإلا, فقد جاءهم من الآيات, ما لا يبقي معه شك ولا شبهة, ولا إشكال, ولا ارتياب.

"وَإِذَا رَأَوْكَ " يا محمد, أي: هؤلاءالمكذبون لك, المعاندون لآيات الله, المستكبرون في الأرض, استهزءوا بك, واحتقروك,وقالوا - على وجه الاحتقار والاستصغار-: " أَهَذَا الَّذِيبَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا " أي غير مناسب, ولا لائق, أن يبعث الله هذاالرجل.
وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم, وقلبهم الحقائق, فإن كلامهم هذا يفهم أن الرسول -حاشاه- في غاية الخسة والحقارة, وأنه لو كانت الرسالة لغيره, لكان أنسب.
" وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍمِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ " .
فهذا الكلام, لا يصدر إلا من أجهل الناس وأضلهم, أو من أعظمهم عنادا, وهو متجاهل.
قصده, ترويج ما معه من الباطل, بالقدح بالحق, وبمن جاء به.
وإلا, فمن تدبر أحوال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وجده رجل العالم,وهمامهم, ومقدمهم في العقل, والعلم, واللب, والرزانة, ومكارم الأخلاق, ومحاسنالشيم, والعفة, والشجاعة, وكل خلق فاضل.
وأن المحتقر له, والشانئ له, قد جمع من السفه والجهل, والضلال, والتناقض, والظلم,والعدوان, ما لا يجمعه غيره.
وحسبه جهلا وضلالا, أن يقدح بهذا الرسول العظيم, والهمام الكريم.

والقصد من قدحهم فيه واستهزائهم به, تصلبهم على باطلهم, وتغرير ضعفاءالعقول.
ولهذا قالوا: " إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا" بأن يجعل الآلهة إلها واحدا " لَوْلَا أَنْصَبَرْنَا عَلَيْهَا " لأضلنا.
فزعموا - قبحهم الله - أن الضلال هو التوحيد, وأن الهدى, ما هم عليه من الشرك,فلهذا تواصوا بالصبر عليه.
" وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُواعَلَى آلِهَتِكُمْ " وهنا قالوا: " لَوْلَا أَنْصَبَرْنَا عَلَيْهَا " والصبر يحمد في المواضع كلها, إلا في هذا الموضع,فإنه صبر على أسباب الغضب, وعلى الاستكثار من حطب جهنم.
وأما المؤمنون, فهم كما قال الله عنهم " وَتَوَاصَوْابِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " .
ولما كان هذا, حكما منهم, بأنهم المهتدون, والرسول ضال, وقد تقرر أنهم لا حيلةفيهم, توعدهم بالعذاب, وأخبر أنهم في ذلك الوقت " حِينَيَرَوْنَ الْعَذَابَ " يعلمون علما حقيقيا " مَنْأَضَلُّ سَبِيلًا " " وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِيَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا " الآيات.

وهل فوق ضلال من جعل إلهه معبوده, فما هويه, فعله, فلهذا قال: " أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ " ألاتعجب من حاله, وتنظر ما هو فيه من الضلال؟ وهو يحكم لنفسه بالمنازل الرفيعة؟.
" أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا " أي:لست عليه بمسيطر مسلط, بل إنما أنت منذر.
قد قمت بوظيفتك, وحسابه على الله.

ثم سجل تعالى على ضلالهم البليغ, بأن سلبهمالعقول والأسماع, وشبههم في ضلالهم بالأنعام السائمة, التي لا تسمع, إلا دعاءونداء, صم, بكم, عمي فهم لا يعقلون, بل هم أضل من الأنعام, فإن الأنعام يهديهاراعيها فتهتدي, وتعرف طريق هلاكها, فتجتنبه, وهي أيضا أسلم عاقبة من هؤلاء.
فتبين بهذا, أن الرامي للرسول بالضلال, أحق بهذا الوصف, وأن كل حيوان بهيم, فهوأهدى منه.

أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك, كمال قدرة ربك, وسعة رحمته, أنه مد علىالعباد, الظل, وذلك قبل طلوع الشمس " ثُمَّ جَعَلْنَاالشَّمْسَ عَلَيْهِ " أي: على الظل " دَلِيلًا" .
فلولا وجود الشمس, لما عرف الظل, فإن الضد يعرف بضده.
" ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا " فكلماارتفعت الشمس, تقلص الظل, شيئا فشيئا, حتى يذهب بالكلية.
فتوالي الظل والشمس على الخلق, الذي يشاهدونه عيانا, وما يترتب على ذلك, من اختلافالليل والنهار وتعاقبهما, وتعاقب الفصول, وحصول المصالح الكثيرة, بسبب ذلك - منأدل دليل, على قدرة الله وعظمته, وكمال رحمته, وعنايته بعباده, وأنه وحده, المعبودالمحمود, المحبوب المعظم, ذو الجلال والإكرام.

أي: من رحمته بكم ولطفه, أن جعل الليل لكم بمنزلة اللباس, الذي يغشاكم,حتى تستقروا فيه, وتهدأوا بالنوم, وتسبت حركاتكم, أي: تنقطع عند النوم.
فلولا الليل, لما سكن العباد, ولا استمروا في تصرفهم, فضرهم ذلك غاية الضرر.
ولو استمر أيضا الظلام لتعطلت عليهم, معايشهم, ومصالحهم.
ولكنه جعل النهار نشورا ينتشرون فيه, لتجاراتهم, وأسفارهم, وأعمالهم, فيقوم بذلك,ما يقوم من المصالح.

أي: هو وحده, الذي رحم عباده, وأدر عليهم رزقه, بأن أرسل الرياحمبشرات, بين يدي رحمته, وهو: المطر.
فثار بها السحاب, وتألف, وصار كسفا, وألقحته, وأدرته بإذن ربها, والمتصرف فيها,ليقع استبشار العباد بالمطر, قبل نزوله, وليستعدوا له, قبل أن يفجأهم دفعة واحدة.
" وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا " يطهرمن الحدث, والخبث, ويطهر من الغش والأدناس.
وفيه بركة من بركته, أنه أنزله ليحيي به, بلدة ميتا, فتختلف أصناف النباتات,والأشجار فيها, مما يأ كل الناس والأنعام.

"وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا " أي: نسقيكموه, أنتم وأنعامكم.
أليس الذي أرسل الرياح المبشرات, وجعلها, في عملها متنوعات, وأنزل من السماء, ماءطهورا مباركا, فيه رزق العباد, ورزق بهائمهم, هو الذي يستحق أن يعبد, وحده, ولايشرك معه غيره؟

ولما ذكر تعالى هذه الآيات العيانية المشاهدة وصرفها للعباد, ليعرفوه,ويشكروه, ويذكروه مع ذلك " فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّاكُفُورًا " لفساد أخلاقهم وطبائعهم.

يخبر تعالى, عن نفوذ مشيئته, وأنه لو شاء,لبعث في كل قرية نذيرا, أي: رسولا, ينذرهم, ويحذرهم فمشيئته, غير قاصرة عن ذلك.
ولكن اقتضت حكمته, ورحمته بك, وبالعباد, يا محمد أن أرسلك إلى جميعهم, أحمرهم,وأسودهم, عربيهم, وعجميهم, إنسهم وجنهم.

" فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ " في ترك شيء مما أرسلت به, بل ابذل جهدك, في تبليغ ما أرسلت به.
" وَجَاهِدْهُمْ " بالقرآن "جِهَادًا كَبِيرًا " أي: لا تبق من مجهودك في نصر الحق, وقع الباطل,إلا بذلته, ولو رأيت منهم, من التكذيب والجراءة, ما رأيت, فابذل جهدك, واستفرغوسعك, ولا تيأس من هدايتهم, ولا تترك إبلاغهم, لأهوائهم.

أي: وهو وحده الذي مرج البحرين يلتقيان, البحر العذب, وهي الأنهارالسارحة على وجه الأرض, والبحر الملح, وجعل منفعة كل واحد منهما مصلحة للعباد.
" وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا " أي: حاجزايحجز من اختلاط أحدهما بالآخر, فيذهب المنفعة المقصودة منها "وَحِجْرًا مَحْجُورًا " أي: حاجزا حصينا.

أي: وهو الله وحده لا شريك له, الذي خلق الآدمي, من ماء مهين ثم نشرمنه ذرية كثيرة, وجعلهم أنسابا وأصهارا, متفرقين ومجتمعين, والمادة كلها من ذلكالماء المهين,.
فهذا يدل على كمال اقتداره, لقوله: " وَكَانَ رَبُّكَقَدِيرًا " ويدل على أن عبادته, هي الحق, وعبادة غيره, باطلة لقوله: " وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ " إلى " ظَهِيرًا " .

أي: يعبدون أصناما وأمواتا, لا تضر ولاتنفع, ويجعلونها أندادا لمالك النفع والضرر, والعطاء والمنع مع أن الواجب عليهم,أن يكونوا مقتدين بإرشادات ربهم, ذابين عن دينه.
ولكنهم عكسوا القضية.
" وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا " فالباطلالذي هو الأوثان والأنداد, أعداء لله.
فالكافر عاونها, وظاهرها على ربها, وصار عدوا لربه, مبارزا له في العداوة والحرب.
وهذا, وهو الذي خلقه ورزقه, وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة, وليس يخرج عنملكه, وسلطانه, وقبضته والله لم يقطع عنه إحسانه وبره, وهو - بجهله - مستمر علىهذه المعاداة والمبارزة.

يخبر تعالى: أنه ما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم, مسيطرا علىالخلق, ولا جعله ملكا, ولا عنده خزائن الأشياء.
وإنما أرسله " مُبَشِّرًا " يبشر من أطاع الله,بالثواب العاجل, والآجل.
" وَنَذِيرًا " يندد من عصى الله, بالعقابالعاجل, والآجل, وذلك مستلزم, لتبيين ما به البشارة, وما تحصل به النذارة, من الأوامروالنواهي.
وإنك, يا محمد, لا تسألهم على إبلاغهم القرآن والهدى, أجرا, حتى يمنعهم ذلك, مناتباعك, ويتكلفون من الغرامة.

"إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا " أي: إلا من شاء, أن ينفق نفقة في مرضاة ربه وسبيله, فهذا وإن رغبتكمفيه, فلست أجبركم عليه, وليس أيضا أجرا لي عليكم, وإنما هو راجع لمصلحتكم, وسلوككمللسبيل الموصلة إلى ربكم.
ثم أمره أن يتوكل عليه, ويستعين به فقال:

" وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ " الذي له الحياة الكاملة المطلقة " الَّذِي لَايَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ " أي: اعبده, وتوكل عليه في الأمورالمتعلقة بك, والمتعلقة بالخلق.
" وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا " يعلمها,ويجازي عليها.
فأنت, ليس عليك من هداهم شيء, وليس عليك حفظ أعمالهم.

وإنما ذلك كله, بيد الله "الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍثُمَّ اسْتَوَى " بعد ذلك " عَلَى الْعَرْشِ" الذي هو سقف المخلوقات, وأعلاها, وأوسعها, وأجملها "الرَّحْمَنِ " استوى على عرشه, الذي وسع السماوات والأرض, باسمهالرحمن, الذي وسعت رحمته كل شيء فاستوى على أوسع المخلوقات, بأوسع الصفات.
وأثبت بهذه الآية, خلقه للمخلوقات, واطلاعه على ظاهرهم وباطنهم, وعلوه فوق العرش,ومباينته إياهم.
" فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا " يعني بذلك, نفسهالكريمة, فهو الذي يعلم أوصافه, وعظمته, وجلاله.
وقد أخبركم بذلك, وأبان لكم من عظمته, ما تستعدون به من معرفته, فعرفه العارفون,وخضعوا لجلاله.

واستكبر عن عبادته الكافرون, واستنكفوا عنذلك, ولهذا قال: " وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوالِلرَّحْمَنِ " أي: وحده, الذي أنعم عليكم بسائر النعم, ودفع عنكمجميع النقم.
" قَالُوا " جحدا وكفرا "وَمَا الرَّحْمَنُ " بزعمهم الفاسد, أم لا يعرفون الرحمن.
وجعلوا من جملة قوادحهم في الرسول, أن قالوا: ينهانا عن اتخاذ آلهة مع الله, وهويدعو معه إلها آخر, يقول " يا رحمن " ونحو ذلك,كما قال تعالى.
" قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَاتَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " .
فأسماؤه تعالى كثيرة, لكثرة أوصافه, وتعدد كماله, فكل واحد منها, دل على صفة كمال.
" أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا " أي: لمجرد أمركإيانا, وهذا مبني منهم على التكذيب بالرسول, واستكبارهم عن طاعته.
" وَزَادَهُمْ " دعواهم إلى السجود للرحمن " نُفُورًا " هربا من الحق إلى الباطل, وزيادة كفروشقاء.

كرر تعالى في هذه السورة الكريمة قوله " تَبَارَكَ" ثلاث مرات, لأن معناها كما تقدم, أنها تدل على عظمة البارى, وكثرةأوصافه, وكثرة خيراته وإحسانه.
وهذه السورة, فيها من الاستدلال على عظمته, وسعة سلطانه, ونفوذ مشيئته, وعموم علمهوقدرته, وإحاطة ملكه في الأحكام الأمرية الجزائية وكمال حكمته.
وفيها, ما يدل على سعة رحمته, وواسع جوده, وكثرة خيراته, الدينية والدنيوية, ما هومقتض لتكرار هذا الوصف الحسن فقال: " تَبَارَكَ الَّذِيجَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا " وهي النجوم, عمومها أو منازل الشمسوالقمر التي تنزل منزلة منزلة, وهي بمنزلة البروج, والقلاع للمدن في حفظها.
كذلك النجوم بمنزلة البروج المجعولة للحراسة فإنها رجوم للشياطين.
" وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا " فيه النوروالحرارة, وهي: الشمس.
" وَقَمَرًا مُنِيرًا " فيه النور, لا الحرارة,وهذا من أدلة عظمته, وكثرة إحسانه.
فإن ما فيها من الخلق الباهر, والتدبير المنتظم, والجمال العظيم, دال على عظمةخالقها في أوصافه كلها.
وما فيها من المصالح للخلق, والمنافع, دليل على كثرة خيراته.

" وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً" أي: يذهب أحدهما, فيخلفه الآخر.
وهكذا أبدا, لا يجتمعان, ولا يرتفعان.
" لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" أي: لمن أراد أن يتذكر بهما ويعتبر, ويستدل بهما على كثير منالمطالب الإلهية, ويشكر الله على ذلك.
ولمن أراد أن يذكر الله ويشكره, ورد من الليل أو النهار.
فمن فاته ورده من أحدهما, أدركه في الآخر.
وأيضا فإن القلوب تتقلب وتنتقل, في ساعات الليل والنهار, فيحدث لها النشاط والكسل,والذكر والغفلة, والقبض والبسط, والإقبال والإعراض.
فجعل الله الليل والنهار, يتوالى كل منهما على العباد, ويتكرران, ليحدث لهم الذكروالنشاط, والشكر لله في وقت آخر.
ولأن أوقات العبادات, تتكرر بتكرر الليل والنهار.
فكما تكررت الأوقات, أحدث للعبد همة غير همته, التي كسلت عنه, في الوقت المتقدم,فزاد في تذكرها وشكرها.
فوظائف الطاعات, بمنزلة سقي الإيمان, الذي يمده, فلولا ذلك, لذوى غرس الإيمان,ويبس.
فلله أتم حمد, وأجمله على ذلك.

ثم ذكر من جملة كثرة خيره, منته على عبادهالصالحين, وتوفيقهم للأعمال الصالحات, التي أكسبتهم المنازل العاليات, في غرفالجنات فقال: " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ " إلى " فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا " .
العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته, فهذه يشترك فيها سائر الخلق, مسلمهموكافرهم, برهم وفاجرهم.
فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون " إِنْ كُلُّ مَنْ فِيالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا " .
وعبودية لألوهيته, وعبادته, ورحمته, وهي: عبودية أنبيائه, وأوليائه, وهي المرادهنا, ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلىأنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال, بسبب رحمته.
فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات, ونعوتهم أفضل النعوت.
فوصفهم بأنهم " يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا " أي:ساكنين متواضعين لله, والخلق, فهذا وصف لهم, بالوقار, والسكينة, والتواضع لله,ولعباده.
" وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ " أي: خطابجهل, بدليل إضافة الفعل, وإسناده لهذا الوصف.
" قَالُوا سَلَامًا " أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه,من الإثم, ويسألون من مقابلة الجاهل بجهله.
وهذا مدح لهم, بالحلم الكثير, ومقابلة المسيئ بالإحسان, والعفو عن الجاهل, ورزانةالعقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال.
" وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا" أي: يكثرون من صلاة الليل, مخلصين فيها لربهم, متذللين له, كما قالتعالى: " تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَرَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُنَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوايَعْمَلُونَ " .

"وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ " أي: ادفعه عنا, بالعصمة من أسبابه, ومغفرة ما وقع منا, مما هو مقتضللعذاب.
" إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا " أي: ملازمالأهلها, بمنزلة ملازمة الغريم لغريمه.

"إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " وهذامنهم, على وجه التضرع لربهم, وبيان شدة حاجتهم إليه, وأنهم ليس في طاقتهم احتمالهذا العذاب.
وليتذكروا منة الله عليهم.
فإن صرف الشدة, بحسب شدتها وفظاعتها, يعظم وقعها ويشتد الفرح بصرفها.

" وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا " النفقات الواجبة والمستحبة " لَمْ يُسْرِفُوا" بأن يزيدوا على الحد, فيدخلوا في قسم التبذير, وإهمال الحقوقالواجبة.
" وَلَمْ يَقْتُرُوا " فيدخلوا في باب البخلوالشح " وَكَانَ " إنفاقهم "بَيْنَ ذَلِكَ " بين الإسراف والتقتير " قَوَامًا" يبذلون في الواجبات من الزكوات, والكفارات, والنفقات الواجبة, وفيماينبغي, على الوجه الذي ينبغي, من غير ضرر ولا ضرار, وهذا من عدلهم واقتصادهم.

"وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ " بل يعبدونه وحده, مخلصين له الدين, حنفاء, مقبلين عليه, معرضين عماسواه.
" وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ" وهو نفس المسلم, والكافر المعاهد.
" إِلَّا بِالْحَقِّ " كقتل النفس بالنفس, وقتلالزاني المحصن, والكافر الذي يحل قتله.
" وَلَا يَزْنُونَ " بل يحفظون فروجهم " إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ" .
" وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ " أي: الشرك بالله, أوقتل النفس, التي حرم الله بغير حق, أو الزنا.
فسوف " يَلْقَ أَثَامًا " ثم فسره بقوله " يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ" أي: في العذاب " مُهَانًا " .
فالوعيد بالخلود, لمن فعلها كلها, ثابت لا شك فيه, وكذا لمن أشرك بالله.
وكذلك الوعيد بالعذاب الشديد, على كل واحد من هذه الثلاثة, لكونها, إما شرك, وإمامن أكبر الكبائر.
وأما خلود القاتل والزاني في العذاب, فإنه لا يتناوله الخلود, لأنه قد دلت النصوصالقرآنية, والسنة النبوية, أن جميع المؤمنين سيخرجون من النار, ولا يخلد فيهامؤمن, ولو فعل من المعاصي ما فعل.
ونص تعالى على هذه الثلاثة, لأنها من أكبر الكبائر: فالشرك, فيه فساد الأديان.
والقتل, فيه فساد الأبدان, والزنا, فيه فساد الأعراض.

"إِلَّا مَنْ تَابَ " عن هذه المعاصي وغيرها,بأن أقلع عنها في الحال, وندم على ما مضى له من فعلها, وعزم عزما صارما أن لايعود.
" وَآمَنَ " بالله إيمانا صحيحا, يقتضي تركالمعاصي, وفعل الطاعات.
" وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا " مما أمر بهالشارع, إذا قصد به وجه الله.
" فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ" أي: تتبدل أفعالهم, التي كانت مستعدة لعمل السيئات, تتبدل حسنات.
فيتبدل شركهم إيمانا, ومعصيتهم طاعة, وتتبدل نفس السيئات, التي عملوها, ثم أحدثواعن كل ذنب منها توبة, وإنابة, وطاعة, تبدل حسنات, كما هو ظاهر الآية.
وورد في ذلك, حديث الرجل الذي حاسبه الله ببعض ذنوبه, فعددها عليه, ثم أبدل من كلسيئة حسنة فقال: " يا رب إن لي سيئات لا أراها ههنا " واللهأعلم.
" وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا " لمن تاب, يغفرالذنوب العظيمة " رَحِيمًا " , بعباده, حيث دعاهمإلى التوبة بعد مبارزته بالعظائم, ثم وفقهم لها, ثم قبلها منهم.

" وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَىاللَّهِ مَتَابًا " أي: فليعلم أن توبته, فيغاية الكمال, لأنها رجوع إلى الطريق الموصل إلى الله, الذي هو عين سعادة العبدوفلاحه, فليخلص فيها, وليخلصها من شوائب الأغراض الفاسدة.
فالمقصود من هذا, الحث على تكميل التوبة, واتباعها على أفضل الوجوه وأجلها, ليقدمعلى من تاب إليه, فيوفيه أجره, بحسب كمالها.

"وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ " أي:لا يحضرون الزور, أي: القول والفعل المحرم.
فيجتنبون جميع المجالس, المشتملة على الأقوال المحرمة, أو الأفعال المحرمة.
كالخوض في آيات الله, والجدال الباطل, والغيبة, والنميمة, والسب, والقذف,والاستهزاء, والغناء المحرم, وشرب الخمر, وفرش الحرير, والصور, ونحو ذلك.
وإذا كانوا لا يشهدون الزور, فمن باب أولى وأحرى, أن لا يقولوه ويفعلوه.
وشهادة الزور داخلة في قول الزور, تدخل في هذه الآية بالأولوية.
" وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ " وهو الكلام الذيلا خير فيه, ولا فيه فائدة دينية, ولا دنيوية, ككلام السفهاء ونحوهم " مَرُّوا كِرَامًا " أي: نزهوا أنفسهم, وأكرموها عنالخوض فيه, ورأوا أن الخوض فيه, وإن كان لا إثم فيه, فإنه سفه ونقص للإنسانيةوالمروءة, فربأوا بأنفسهم عنه.
وفي قوله " وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ " إشارةإلى أنهم لا يقصدون حضوره, ولا سماعه.
ولكن عند المصادفة, التي من غير قصد, يكرمون أنفسهم عنه.

" وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ " التي أمرهم باستماعها, والاهتداء بها.
" لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا " أيلم يقابلوها بالإعراض عنها, والصم عن سماعها, وصرف النظر والقلوب عنها, كما يفعلهمن لم يؤمن بها ولم يصدق.
وإنما حالهم فيها, وعند سماعها, كما قال تعالى: " إِنَّمَايُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًاوَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ " .
يقابلونها بالقبول والافتقار إليها, والانقياد, والتسليم لها.
وتجد عندهم آذانا سامعة, وقلوبا واعية, فيزداد بها إيمانهم, ويتم بها, إيقانهم,وتحدث لهم نشاطا, ويفرحون بها سرورا واغتباطا.

"وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا " أي: قرنائنا من أصحاب وأقران, وزوجات.
" وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ " أي: تقربهم أعيننا.
وإذا استقرأنا حالهم وصفاتهم, عرفنا من هممهم, وعلو مرتبتهم, أن دعاءهم لذرياتهم,في صلاحهم, فإنه دعاء لأنفسهم, لأن نفعه يعود عليهم, ولهذا جعلوا ذلك, هبة لهمفقالوا: " هَبْ لَنَا " بل دعاؤهم يعود إلى نفععموم المسلمين, لأن صلاح من ذكر, يكون سببا لصلاح كثير ممن يتعلق بهم, وينتفع بهم.
" وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا " أي:أوصلنا يا ربنا, إلى هذه الدرجة العالية, درجة الصديقين, والكمل من عباد اللهالصالحين, وهي درجة الإمامة في الدين, وأن يكونوا قدوة للمتقين, في أقوالهموأفعالهم, يقتدى بأفعالهم ويطمئن لأقوالهم, ويسير أهل الخير خلفهم, فيهدون,ويهتدون.
ومن المعلوم, أن الدعاء ببلوغ شيء, دعاء بما لا يتم إلا به.
وهذه الدرجة - درجة الإمامة في الدين - لا تتم إلا بالصبر واليقين, كما قال تعالى:" وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَالَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ " .
فهذا الدعاء, يستلزم من الأعمال, والصبر على طاعة الله, وعن معصيته, وأقدارهالمؤلمة, ومن العلم التام, الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين - خيرا كثيرا, وعطاءجزيلا, وأن يكونوا في أعلى, ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل.
ولهذا - لما كانت هممهم ومطالبهم عالية - كان الجزاء من جنس العمل, فجازاهمبالمنازل العاليات فقال:

" أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا " أي: المنازل الرفيعة, والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى, وتلذهالأعين, وذلك بسبب صبرهم, نالوا ما نالوا, كما قال تعالى: "وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْبِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ " .
ولهذا قال هنا: " وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا" من ربهم, ومن ملائكته الكرام, ومن بعض على بعض, ويسلمون من جميعالمنغصات والمكدرات.
والحاصل: أن الله وصفهم بالوقار والسكينة, والتواضع له ولعباده, وحسن الأدب,والحلم, وسعة الخلق, والعفو عن الجاهلين, والإعراض عنهم, ومقابلة إساءتهمبالإحسان, وقيام الليل, والإخلاص فيه, والخوف من النار, والتضرع لربهم, أن ينجيهممنها, وإخراج الواجب والمستحب في النفقات, والاقتصاد في ذلك.
وإذا كانوا مقتصدين في الإنفاق, الذي جرت العادة, بالتفريط فيه, أو الإفراط.
فاقتصادهم, وتوسطهم في غيره, من باب أولى.
والسلامة من كبائر الذنوب والاتصاف بالإخلاص لله في عبادته, والعفة عن الدماءوالأعراض, والتوبة عند صدور شيء من ذلك, وأنهم لا يحضرون مجالس المنكر, والفسوقالقولية والفعلية, ولا يفعلونها بأنفسهم, وأنهم يتنزهون من اللغو في الأفعالالردية, التي لا خير فيها, وذلك يستلزم مروءتهم وإنسانيتهم, وكمالهم, ورفعة أنفسهمعن كل خسيس, قولي وفعلي.
وأنهم يقابلون آيات الله بالقبول لها, والتفهم لمعانيها, والعمل بها, والاجتهاد فيتنفيذ أحكامها.
وأنهم يدعون الله تعالى, بأكمل الدعاء في الدعاه, الذي ينتفعون به وينتفع به منيتعلق بهم, وينتفع به المسلمون, من صلاح أزواجهم, وذريتهم.
ومن لوازم ذلك, سعيهم في تعليمهم, ووعظهم, ونصحهم, لأن من حرص على شيء ودعا اللهفيه, لا بد أن يكون متسببا فيه.
وأنهم دعوا الله ببلوغ أعلى الدرجات الممكنة لهم, وهي: درجة الإمامة والصديقية.
فلله, ما أعلى هذه الصفات, وأرفع هذه الهمم, وأجل هذه المطالب, وأزكى تلك النفوس,وأطهر تلك القلوب, وأصفى هؤلاء الصفوة وأتقى هؤلاء السادة!!.
ولله, فضل الله عليهم, ونعمته, ورحمته, التي جللتهم ولطفه الذي أوصلهم إلى هذهالمنازل.
ولله, منة الله على عباده, أن بين لهم أوصافهم, ونعت لهم هيئاتهم, وبين لهم هممهم,وأوضح لهم أجورهم, ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم, ويبذلوا جهدهم في ذلك, ويسألواالذي من عليهم, وأكرمهم, الذي, فضله في كل زمان ومكان, وفي كل وقت وأوان, أنيهديهم كما هداهم, ويتولاهم بتربيته الخاصة, كما تولاهم.
فاللهم, لك الحمد, وإليك المشتكى, وأنت المستعان, وبك المستغاث, ولا حول ولا قوة,إلا بك.
لا نملك لأنفسنا, نفعا ولا ضرا, ولا نقدر على مثقال ذرة من الخير, إن لم تيسر ذلكلنا.
فإنا ضعفاء, عاجزون من كل وجه.
نشهد أنك إن وكلتنا إلى أنفسنا طرفة عين, وكلتنا إلى ضعف, وعجز وخطية.
فلا نثق, يا ربنا, إلا برحمتك التي بها خلقتنا ورزقتنا, وأنعمت علينا, بما أنعمت,من النعم الظاهرة والباطنة, وصرفت عنا من النقم.
فارحمنا رحمة, تغنينا بها عن رحمة من سواك, فلا خاب من سألك ورجاك.

ولما كان الله تعالى, قد أضاف هؤلاء العباد, إلى رحمته, واختصهمبعبوديته, لشرفهم وفضلهم ربما توهم متوهم, أنه, وأيضا غيرهم, فلم لا يدخل فيالعبودية؟.
فأخبر تعالى, أنه لا يبالي, ولا يعبأ بغير هؤلاء, وأنه لولا دعاؤكم إياه, دعاءالعبادة, ودعاء المسألة, ما عبأ بكم ولا أحبكم فقال: " قُلْمَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَيَكُونُ لِزَامًا " أي: عذابا يلزمكم, لزوم الغريم لغريمه, وسوف يحكمالله بينكم وبين عباده المؤمنين.

Top Articles

Latest Posts

Article information

Author: Melvina Ondricka

Last Updated: 11/30/2022

Views: 6220

Rating: 4.8 / 5 (68 voted)

Reviews: 83% of readers found this page helpful

Author information

Name: Melvina Ondricka

Birthday: 2000-12-23

Address: Suite 382 139 Shaniqua Locks, Paulaborough, UT 90498

Phone: +636383657021

Job: Dynamic Government Specialist

Hobby: Kite flying, Watching movies, Knitting, Model building, Reading, Wood carving, Paintball

Introduction: My name is Melvina Ondricka, I am a helpful, fancy, friendly, innocent, outstanding, courageous, thoughtful person who loves writing and wants to share my knowledge and understanding with you.